أحمد الفاروقي السرهندي

257

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ « 1 » متأخّرا وناسخا للمذكورات ( أجيب ) أنّه يجوز أن يكون كذلك لا يكفي في هذا المقام بل لا بدّ من إثبات التّأخّر حتّى تصحّ دعوى النّسخ فإنّ الخصم من وراء المنع . ( ولو سلّم أنّه متأخّر ) ينبغي أن لا يكون مثبتا للحرمة ويكون المراد من النّجاسة خبث الباطن لانّه قد نقل أنّه لم يرتكب نبيّ من الأنبياء أمرا يكون مآله في شريعته أو في شريعة غيره من الأنبياء منجرّا إلى الحرمة ويكون محرّما في الآخر وإن كان مباحا حين الارتكاب الا ترى أنّ الخمر كان مباحا اوّلا ثمّ حرّم ولم يشربه نبيّ قطّ فلو كان مآل أمر المشركين إلى النّجاسة الظّاهرة وكانوا مثل الكلاب نجس العين لما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو محبوب ربّ العالمين يمسّ ظروفهم فضلا عن أكل طعامهم وأيضا إنّ النّجس العين نجس عين في جميع الأوقات لا مجال فيه للإباحة سابقة ولاحقة فلو كان المشركون نجس عين ينبغي أن يكونوا كذلك في الابتداء وأن يعامل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بهم بمقياسه ومقتضاه في الاوّل وليس فليس ( وأيضا ) إنّ الحرج مدفوع عن الدين ومعلوم أنّ الحكم بنجاستهم واعتقاد أنّهم نجس عين تضييق على المسلمين جدّا والقاؤهم في الحرج والمشقّة ينبغي أن يقبل المنّة من أئمّة الحنفيّة رضي اللّه عنهم حيث هيّئوا مخلصا للمسلمين وأخرجوهم من ارتكاب الحرام دون أن يطعن فيهم وزعم حسنهم قبحا وعيبا وأين مجال الاعتراض على المجتهد فإنّ لخطئه أيضا درجة من الثواب وتقليده وإن كان مخطئا موجب للنّجاة واجتناب جماعة يقولون بحرمة أطعمة الكفّار وأشربتهم عن ارتكاب أكلها وشربها محال عاديّ خصوصا في بلاد الهند فإنّ هذا الابتلاء أكثر فيها وإذا كان في مسالة دينيّة عموم البلوى فالأولى أن يفتى بأسهل الأمور وأيسرها بقول أيّ مجتهد كان وإن لم يكن موافقا لمذهبه قال اللّه تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 2 » وقال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً « 3 » والتّضييق على خلق اللّه وإيذاؤهم حرام ومناف لرضا الحقّ سبحانه والشّافعيّة يفتون في بعض المسائل الذي ضيّق فيه الإمام الشّافعيّ بمذهب الحنفيّة ليسهل للخلق مثلا في مصارف الزّكاة ينبغي ان تصرف الزّكاة عند الشّافعيّ على جميع أصنافها وواحد منها المؤلّفة القلوب وهم مفقودون في هذه الايّام فأفتى علماء الشّافعيّة بمذهب الحنفيّة بأنّها إذا أدّيت على أيّ صنف منها يكفي وأيضا إذا كان المشركون نجس العين ينبغي أن لا يطهّروا بالإيمان أيضا فعلم أنّ كونهم نجسا إنّما هو بواسطة خبث اعتقادهم القابل للزّوال ومقصور على الباطن الذي هو محلّ الاعتقاد ونجاسة الباطن لا تنافي طهارة الظّاهر كما هو معلوم للوضيع والشّريف وأيضا إنّ قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ « 4 » إخبار عن حال المشركين والإخبار

--> ( 1 ) - الآية : 28 من سورة التوبة . ( 2 ) - الآية : 185 من سورة البقرة . ( 3 ) - الآية : 28 من سورة النساء . ( 4 ) - الآية : 28 من سورة التوبة .